الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

216

انوار الأصول

خروج العمل عن اللااقتضائيّة ، بحيث كان حكم العقل بالإيجاد من جهة الرغبة لما يترتّب عليه من الأجر والثواب فحسب ، وأخرى يكون اقتضاؤه لتحريك العبد بالإيجاد بنحو أتمّ بحيث يوجب سدّ باب عدمه حتّى من طرف العقوبة على المخالفة علاوة عمّا يترتّب على إيجاده من المثوبة الموعودة ، وفي مثل ذلك نقول : بأنّ قضيّة إطلاق الأمر يقتضي كونه على النحو الثاني لعدم تقيّده بشيء ( انتهى ملخّصاً ) « 1 » . أقول : الأولى في المقام أن يقال : إنّ منشأ الانصراف أنّ طبيعة الطلب ليس فيها عدم الطلب وإذن في الترك ، فإنّ الطلب بعث إلى الشيء ، والبعث يقتضي الانبعاث فلا سبيل لعدم الانبعاث في ماهيته ، فالإلزام والوجوب لازم لطبيعة الطلب وماهيته ، فما لم يصرّح المولى بالترخيص ولم يأذن بالترك ينصرف الطلب إلى الوجوب ويتبادر منه اللزوم ، والشاهد على ذلك أنّه إذا لم يمتثل العبد أمر المولى اعتذاراً بأنّي كنت أحتمل الندب لم يقبل عذره ويقال له « إذا قيل لك افعل فأفعل » . نعم ، إذا قامت قرينة على الاستحباب والترخيص لم يكن مجازاً لأنّ الموضوع له عامّ يشمل الوجوب والاستحباب وإن كان إطلاقه منصرفاً إلى الوجوب . نعم أُورد على المحقّق العراقي رحمه الله في تهذيب الأصول بأنّ « ما ذكره صاحب المعالم إنّما هو في صيغة الأمر دون مادّته كما أنّ مورد التمسّك بالاطلاق هو صيغة الأمر دون مادّته » « 2 » . لكن الإنصاف عدم ورود اشكاله بالنسبة إلى التمسّك بالاطلاق ( وإن كان وارداً بالنسبة إلى نقل كلام صاحب المعالم كما أشرنا إليه ضمن نقل كلام هذا العلم ) وذلك لأنّه لا فرق في هذه الجهة بين صيغة الأمر ومادّته ، فكما تجري مقدّمات الحكمة ويمكن التمسّك بالاطلاق في صيغة الأمر ، تجري أيضاً في مادّته من دون فرق بين ما يكون المولى فيه في مقام الإنشاء كما في قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ » وقوله عليه السلام : هذا ما أمر به عبد الله . . . ( في كتاب علي عليه السلام لمالك ) وما يكون المولى فيه في مقام الإخبار كقوله عليه السلام : « أمر رسول اللَّه بالزكاة في تسعة أشياء » فإنّه يمكن أن يقال فيها أيضاً ( كما يمكن أن يقال في صيغة الأمر ) أنّ المولى كان في مقام البيان فأمر بشيء من دون تقييد وبيان زائد يستفاد منه الاستحباب ، فيستفاد منه الوجوب

--> ( 1 ) نهاية الأفكار : ج 1 ، ص 161 - 163 ، طبع جماعة المدرّسين . ( 2 ) تهذيب الأصول : ج 1 ، ص 101 ، طبع مهر .